|
العمل التطوعي في
فلسطين الى اين ؟!
العمل التطوعي في فلسطين قديم منذ وجد الإنسان الفلسطيني وتطور مع
تطور الزمن حتى أنه في بعض الأوقات أصبح جزءً، من عادات وتقاليد
الشعب الفلسطيني، عدا عن كونه جزءً، من تراثه أيضا. ففي القدم،
ورغم البساطة التي عرف بها الإنسان الفلسطيني والترابط الأسري
المعروف لدى هذا الشعب، حيث كان العمل التطوعي دارجاً ومعروفاً لدى
الجميع، وكان الشعب يمارسه بكافة فئاته لأنه، كما ذكرنا، اعتبر
جزءً من تراث الشعب الفلسطيني، عدا عن الدافع الديني أيضا لهذا
العمل النبيل، وقال رب العزة تبارك وتعالى"ومن تطوع خيرا فإن الله
شاكر عليم"( صدق الله العظيم)، وكان الناس يتهافتون لبيت فلان من
أجل عرض خدماتهم التطوعية، وكان هناك ايضاً ما سمي "بالعونه" في
قطف الزيتون وعقد سقوف البيوت والحصاد وقلع السمسم وحصاد
القمح...الخ، من الأعمال الجماعية التطوعية التي عرف بها المجتمع
الفلسطيني منذ قديم الزمان.. حتى جاء الاحتلال ووقعت فلسطين تحت
الانتداب البريطاني وتتالت النكبات بعد ذلك ليبدأ الاحتلال بمحاربة
هذه الظاهرة الجماعية لاعتبارها نوع من أنواع النضال أيضا
فالاحتلال منذ أن زرع أنيابه في فلسطين حتى يومنا هذا حارب ويحارب
العمل الجماعي لما له من أهمية للفرد والمجتمع ولأن العمل التطوعي
خدمة للوطن والمواطن. وهو واجب وطني وانساني وديني تجاه الوطن
والانسان لاقى هذا العمل حربا وتصعيدا بطرق مختلفة من قبل الاحتلال
الاسرائيلي، وكان العمل التطوعي ايضا ولا يزال سدا منيعا في مواجهة
تخريب الاحتلال، لبنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، حتى في
يومنا هذا ورغم رداءة الاوضاع الاقتصادية لا زال الانسان الفلسطيني
يحاول قدر المستطاع تقديم العون والمساعدة لمن يحتاج دون مقابل.
فعاش الانسان الفلسطيني هذه النكبات والازمات، وهذه الحرب ضد هذا
التراث الذي تمسكت به اجيال واجيال الى ان وصلنا الى يومنا هذا،
وبنفس الظروف التي عاشها الانسان الفلسطيني قبل عشرات السنين.
وبنفس النفس الذي عرف فيه استمر الانسان الفلسطيني في صراعه مع
الاحتلال، مع الواقع الأليم محافظا على تراثه وعاداته وتقاليده.
والعونه التي عرف بها لتتطور مع التطور الزمني وتبقى محافظة على
شكلها ومضمونها، ولكن تحت اسم العمل التطوعي، حتى ان الجامعات
الفلسطينية اعتبرت العمل التطوعي احد مساقات التخرج لما له من
اهمية اجتماعية ولما له من فائدة على صعيد الفرد والجماعة ولما له
ايضا من اسباب التطور والازدهار في المجتمعات الراقية.
ومن خلال حديثنا عن العمل التطوعي في المجتمع الفلسطيني استطعنا ان
نصل الى تعريف بسيط لهذا العمل فهو: ذاك العمل الذي يقوم به
الانسان دون مقابل مادي ومن دافع ذاتي من اجل تقديم العون
والمساعدة العملية او الاستشارية او المعنوية، حتى دون تحديد ذاك
العمل وبغض النظر عن حجم هذه الخدمة كبيرة ام صغيرة للوطن
والمواطن.
فالانسان الفلسطيني عندما تطوع للمجتمع والفرد في ظروف قاسية
وسوداء وتحت ظل الاحتلال لم يغيرحينذاك من مفهوم العمل التطوعي،
رغم كل ما مورس ضده وضد هذا العمل الوطني والنضالي العظيم حتى حمله
جيل بعد جيل ليصل إلينا بهذه الصورة المشرقة والجميلة..
إن العمل التطوعي في أيامنا هذه اختلف مفهومه إلى حد كبير، وذلك
بسبب كثرة المؤسسات في الاراضي الفلسطينية وعدم اكتراثها بهذا
العمل وتاريخه واهميته ومحاولتها تغيير مفهومه.
فبعض المؤسسات اعتبرت نفسها اداة فقط في ايدي الجهات او المؤسسات
المانحة، فالهم الوحيد لهؤلاء هو انجاز هذا المشروع او ذاك تحت
مسمى العمل التطوعي دون التأكد من ان هذا العمل لم يكن تطوعياً بل
كان على حساب العمل التطوعي الحقيقي، الذي سنواجهه ونتصادم معه في
المستقبل، وذلك بعد انتهاء هذه المؤسسة من تقديم هذا المشروع.
ولكن للأسف الشديد البعض من هذه المؤسسات المؤقتة، وأعني بالمؤقتة
التي تأتي على شكل مشروع، تريد تنفيذه ومن ثم لا تعرف أين ستذهب
وتحاول بل حاولت تغيير المفهوم الحقيقي للعمل التطوعي، وحتى تغيير
الاتجاه السليم الذي يسلكه ذاك الشخص، الذي يقوم بهذا العمل، فتأتي
احدى المؤسسات وتقول عمل تطوعي مقابل مبلغ مالي قليل بسيط او عمل
تطوعي مقابل مكافئة تصرف للمتطوع بعد إنهاء تلك المهمة التي سيقوم
بها او الموكلة اليه. ليبدأ من هنا بناء المفهوم الجديد للعمل
التطوعيز وكما ذكرنا، وكما يعرف الجميع وتعرف المؤسسة ذاتها، فإن
العمل التطوعي مأخوذ من كلمة تطوع، وتطوع هنا تعني قام او بادر
بالشيء دون مقابل، فكيف لنا هنا أن نعتبر هذه المؤسسة أو تلك تشجع
أو ترسخ مفهوم العمل التطوعي؟ وبعض المؤسسات استطاعت الظهور
والتسلق إلى ماكانت تطمح إليه على حساب التطوع والمتطوع. فهمها
الوحيد كان منذ ان وجدت كيف ان تستمر في هذا المشروع وتتقاضى
المزيد المزيد من الدعم الخارجي.. وقد يعتقد البعض أنني ضد
المساعدات والدعم الخارجي لقطاع الشباب والمؤسسات الشبابية! الجميع
يعرف أننا نعيش على هذه المساعدات الدولية ولكن كيف لهذه المؤسسة
ان تستغل هذا الدعم وتحاول ان تنفذه على ارض الواقع ببناء عمل
تطوعي صحيح وجيد ايجابي وبناء، ليكون لنا رصيد. في المستقبل القريب
بعد انتهاء هذا الدعم لتلك المؤسسة ومما لا شـك فيه أن مثل هذه
المؤسسات قد غيرت في مفهوم العمل التطوعي وذلك حسب اعتقادي لأسباب
عدة يمكن أن تكون بسبب عدم معرفة المؤسسة ذاتها بالمفهوم او المعنى
الحقيقي للعمل التطوعي أو لصغر سنها وحاجتها لاثبات وجودها في
المجتمع، من خلال استقطاب شباب او شابات يتطوعون مقابل مبلغ رمزي؟
ولكن كلا الاعتقادين ساهما في تغيير مفهوم العمل التطوعي، بل
ساعدا في خلق حالة من الفوضى بين مفهوم التطوع ومفهوم التطبيق
والتعامل.. فمن منا لا يحب ان يقدم لوطنه او لا يتمنى ان يقوم
بواجبه تجاه الانسان والانسانية التي ينتمي اليها.. فالكل منا يثمن
ويقدس هذا العمل الذي يقوم به أناس ذوو أياد بيضاء معطاءة ولكن يجب
على جميع المؤسسات التي تقوم على اساس التطوع ان تنتبه لهذه
الظاهرة الخطيرة المؤذية والتي لن تجني لمجتمع كمجتمعنا الفلسطيني،
الذي في أمس الحاجة لمثل هذه الاعمال إلا التراجع وضرب العمل
التطوعي نتيجة لعدم قدرتها على فهم الاطار الاساسي للعمل التطوعي.
إن اساءة تعامل بعض المؤسسات، التي تعنى بالعمل التطوعي، للعمل
التطوعي جعل المجتمع الفلسطيني بحاجة أكثر الى العودة الى ما قبل
عشرات السنين.. إلى العمل التطوعي المبني على القواعد الاساسية
والى الانتماء الذي كان يشعر به المتطوع تجاه ارضه ووطنه ومجتمعه
الذي ينحدر منه.. إن تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة
ومحاولة ارضاء الجهة المانحة على حساب مجتمع كامل سينعكس علينا
سلبا وستكون عواقبه مؤثرة على مجتمع بأكمله لأننا سنفقد أنبل وأطهر
عمل ألا وهو العمل التطوعي..
إن العمل الاجتماعي التطوعي ومفهومه واضحا للجميع ولا يختلف فيه
اثنان عاقلان، فهو عمل لا يمكن احصاء ايجيابياته على الفرد
والجماعة، وكذلك على المجتمع الذي ينادي دائما على تلك الايادي
لتمد يد العون له وتقوم بواجبها تجاهه.. فهو نضال وطني وديني، على
كل فرد منا أن يسدده في كل مراحل عمره وأن يعمل على بقائه في
المجتمع وتعزيزه كذلك لأن بقاءه من بقاء المجتمع وتعزيزه لا يقتصر
على الفرد فقط بل على كل المؤسسات بكل مسمياتها واشكالها، وان
نحاول قدر المستطاع ان نعرفه، كما هو ببساطته وسهولته وفائدته
أيضا، فهو اساس المجتمعات الراقية والمتقدمة وهو خير العلاقات
الاجتماعية المترابطة التي ينظر اليها من زاوية ذاك العمل، الذي
مهما كتبنا عنه وعن فوائده ستطول كتاباتنا وتطول.. وأن نتذكر دائما
ان الاحتلال حارب ويحارب كل الترابط الاجتماعي، منذ ان وضع انيابه
على ارضنا وعمل دوما على قتل روح التطوع بداخلنا من خلال محاربته
لهذه الظاهرة الاجتماعية البناءة. ولكن مجتمعنا كان دوما على قدر
الانتباه وكان يخرج بعد كل محاولة اقوى مما كان عليه ليستمر. ورغم
تتالي النكبات والمآسي والآلام يدفع العمل التطوعي الى الأمام
ليبقى من أولوياتنا حتى هذه اللحظه لتتوارثه الاجيال القادمة ليبقى
مجتمعنا نموذجا للتطور والرقي.
إن العمل التطوعي هو احد اسباب الازدهار والرقي في جميع المجتمعات
المتحضرة، لما له من اهمية كبيرة على كل الاصعدة. واذا اردنا ان
نشجع ونقوي ونرسخ هذا المفهوم لدى مجتمعنا الفلسطيني فعلينا ان
نقوم بغرسه بالشكل الصحيح في نفوس كل فئات المجتمع، لكي ينمو ويكبر
ويبقى صحيحا تتوارثه الاجيال وهو صحيح، بعيدا عن اي مفهوم خاطئ لكي
لا يكون العمل به خاطئاً وأن نشجع جميعا على هذا العمل لما له من
اهمية وفائدة للوطن والمواطن وان نحاول قدر المستطاع ان نميز بين
التطوع، والمقابل ان لا نسمح لأي مؤسسة اياً كانت أن تستغل هذه
الكلمة كشعار تتغنى به فقط دون المفهوم الاساسي لكل ماتحمله هذه
الكلمة من معنى انساني ووطني واخلاقي.
أشرف عباهرة
|